زنابق البحر على الحجارة
سهل سحيق

زنابق البحر على الحجارة

في أعماق لا تبلغها أشعة الشمس ولا يصلها صدى العالم العلوي، تمتد سهول قاع المحيط الهادئة على آلاف الكيلومترات، مكسوةً بطبقة ناعمة من الطين الكلسي والسيليسي الكريمي اللون، تنقشها موجات خفيفة نحتها التيار الهاوي البطيء. في هذا الصمت الهائل، تحت ضغط يبلغ خمسمائة ضعف ضغط الهواء وبدرجات حرارة تكاد لا تتجاوز الدرجتين فوق الصفر، تنتصب أحجار متناثرة نقلتها الجليديات القديمة في أحشاء الماء حتى استقرت أخيراً هنا، فأصبحت جزراً صلبة نادرة في صحراء الطين اللانهائية. إلى هذه الأحجار تتشبث الزنابق البحرية المعقّدة بسيقانها الدقيقة الطويلة، رافعةً تيجانها الريشية الشاحبة في اتجاه واحد نحو التيار، كأنها تصنع من الجريان الخفي موسيقى صامتة لا يسمعها أحد. تتساقط من عمود الماء ندفات الثلج البحري ببطء لا تحسّه إلا الحياة التي صنعت نفسها لهذه الظلمة، وتتلألأ بين الحين والآخر ومضات زرقاء باردة من كائنات مجهرية طافية، تضيء لحظة واحدة ثم تعود إليها العتمة، في عالم يتنفس ويتغذى ويتكاثر بمعزل تام عن كل ما يجري فوقه.

Other languages