الثقة العلمية: عالية جداً
في أعماق تتجاوز كل تصوّر، تمتد سهول هادئة من الطين السيليسي الرمادي الشاحب إلى ما لا نهاية، مُضغوطةً تحت ما يزيد على أربعمائة ضعف من ضغط الغلاف الجوي، حيث تبلغ درجات الحرارة حدّها الأدنى عند نحو درجتين مئويتين فحسب. تتحرك خيارات البحر الشفافة ببطء مقدّس فوق هذا السطح الرمادي البيجي، تاركةً خلفها تعرّجات ولفائف من الحبيبات الرسوبية تشهد على حركة لا ترى، في حين تنبثق من قلب الماء الأسود نقاط ضوء أزرق-خضراء خافتة من أحياء بيولوجية مضيئة تنجرف في العمود المائي كنجوم مجهرية بلا مصدر. يتهاوى الثلج البحري—جسيمات عضوية شاحبة من بقايا العالم البعيد فوق—بلا توقف نحو القاع، ليُراكم طبقةً تلو طبقة من تاريخ المحيط على امتداد آلاف السنين. تقبع عقيدات المنغنيز الداكنة نصف مدفونة في الطين، وترتفع الكرينويدات العقلية على أذرع متحجرة في نقاط القاع الصلبة، شاهدةً صامتة على عالم لم يعرف للضوء الاصطناعي ولا للحضور البشري مساراً إليه قطّ.
في أعماق تبلغ عدة آلاف من الأمتار تحت السطح، تمتد سهول هادئة لا نهاية لها من الطين الكلسي الكريمي الباهت، حيث رسمت التيارات البطيئة تموجاتٍ رقيقة على وجه الرسوبيات كما لو أن يداً خفيةً مشطت ذلك السطح منذ قرون. الضغط هنا يبلغ خمسمئة ضعف ما يُحتمَل على اليابسة، والحرارة لا تتجاوز درجتين مئويتين، وتسود عتمةٌ مطبقة لا يقطعها سوى وميضٍ متناثر من نقاط ضوء زرقاء مخضرة تبثّها كائناتٌ عائمة في العمود المائي بفعل التألق الحيوي، فتُلمح للحظةٍ عابرة ملامح الحوض الرسوبي القريب ثم تختفي في السواد. تتساقط ندف الثلج البحري ببطءٍ شديد — وهي جزيئات عضوية هبطت من أسابيع وشهور من الطبقات العليا — لتكون الغذاء الوحيد الذي يصل إلى هذا العالم المعزول، حيث تجوب خيارياتٌ شاحبة الأخاديدَ الضحلة وتنقر في الرسوبيات بحثاً عن كل ذرة طاقة ممكنة. هذه السهول تُغطي نحو نصف كوكب الأرض وتظل في معظمها غير مرئية، تتنفس بهدوء تحت ثقل المحيط، مأهولةً بحياة دقيقة متخصصة لا تعلم شيئاً عن العالم الذي يدور فوقها.
في أعماق السهل الهاوي، حيث يبلغ الضغط ما بين أربعمئة وستمئة ضعف ضغط الغلاف الجوي، وتنحدر درجات الحرارة إلى ما دون درجتين مئويتين، تُرسم على الطين الرمادي الدقيق خرائط حياة صامتة لا تُرى إلا من خلال مجاهرة الكون بذاته. تتشابك مسالك خيار البحر الهاوي وتتقاطع على سطح الرسوبيات الكلسية والصوانية، تاركةً وراءها أثلام رعي دقيقة، وحبيبات براز متراصة، وبقعًا طرية من الطمي المقلوب حديثًا، وكأن السهل اللامتناهي يحتفظ في طياته بسجل حي لكل حركة. تنزلق هذه المخلوقات الإسفنجية الشفيفة ذات اللون الكريمي والبنفسجي الخافت فوق القاع بخطى بطيئة عميقة، ترشح الطين عبر أجسادها وتعيد إلى الماء ما استهلكته، في دورة غذائية تُعدّ من أندر عمليات التدوير البيولوجي في المحيطات. تطفو رقاق الثلج البحري في العمود المائي بنزول لا نهاية له، تحمل إلى هذا العالم المعتم ما تبقى من حياة العوالق السطحية على بُعد آلاف الأمتار، بينما تبثّ بعض الكائنات الدقيقة المتناثرة في الطبقة الحدية أشباح ضوء أزرق-أخضر خافت يُخطّط أحواف المسالك دون أن يُبدّد العتمة المطبقة. هنا، في هذا الصحراء الأبيسية الشاسعة التي تُغطي أكثر من نصف قاع المحيطات، تستمر الحياة في كتابة نصوصها المعقدة على صفحة الطمي الصامتة، بعيدًا عن كل ضوء وعن كل شاهد.
في أعماق لا تبلغها أشعة الشمس أبدًا، تمتد سهول قاعية شاسعة تحت ضغط يبلغ نحو خمسمائة ضعف ما تتحمّله الغلاف الجوي، وتغطّيها طبقات متراكمة من الطين الكلسي والسيليسي الناعم، الذي رسّبه سقوط صامت من حبيبات الثلج البحري عبر آلاف الأمتار من العمود المائي. من هذه الرواسب الرمادية البنّية، تنبثق قلامات البحر كريشات شاحبة، عاجية اللون مع لمسة خوخية خفيّة، مائلةً بزاوية متسقة تحت وطأة تيار قاعي خافت يشقّ بصمت ذلك الصمت الثقيل. لا نور هناك سوى وميض متناثر وعابر، يطفو من كائنات قزمية مضيئة بيولوجيًا تسبح في العتمة أو ترقد على السطح الرسوبي، فتُحيل حواف القلامات وأقرب ملامح القاع إلى ظلال شبحية دون أن تُوجد بقعة ضوء واحدة. تقبع بعيدًا في الظلام صور سرخسيات ذات عنق على بقع صلبة متفرقة، وعلى السطح تتناثر عقد المنغنيز شبه المغمورة في الوحل، فيما تشير فتحات الجحور وبقايا الإخراج إلى حياة دقيقة نابضة بعيدًا عن أي عين. هذا عالم يوجد بكامل منطقه الخاص، مكتفٍ بذاته، تحكمه الكثافة والبرودة والضغط الهائل، ولم يُفصح عن نفسه إلا لأن الكون نفسه يستمر في الوجود حتى حيث لا شاهد له.
في أعماق السهول الهاوية، حيث يبلغ الضغط ما يعادل خمسمئة ضعف ضغط الهواء عند السطح، تمتد رقعة من الطين الرسوبي الباهت تغطيها درنات المنغنيز متعددة المعادن كأنها بلاط مدرّع صمد عبر ملايين السنين دون أن تطأه قدم أو تلمسه يد. هذه الحجارة السوداء المائلة إلى البني تنبثق من الطمي الكلسي الناعم في صمت مطبق، إذ تحيط بكل واحدة منها هالة خفية من الرسوبيات وآثار تيارات قاعية وفتحات جحور دقيقة تشهد على حياة لا ترى ولا تُسمع. في ومضات متقطعة من الأزرق المائل للأخضر تنبثق من كائنات العوالق المتوهجة وهي تعبر عمود الماء البارد الذي تتراوح حرارته بين درجة واثنتين مئويتين، تتكشّف الأسطح الأكسيدية الداكنة وتلمع لحظةً قبل أن يعود الظلام التام ليبتلع كل شيء. على ذُرى أعلى الدرنات تتعلق شقائق النعمان العاجية الهزيلة وبعض الإسفنجيات الشاحبة، بينما تنتصب قرنفلية متحجرة وحيدة في البعيد، كلها تنتظر ما يتساقط من السماء البحرية على شكل ثلج مارين، وهو المطر العضوي الوحيد الذي يصلها من عالم لا تعلم بوجوده. هذا المكان لم يُبنَ لعيون، ولا يحتاج إلى شهود؛ فهو يوجد في نفسه، ثابت ومتكامل، في عتمته الأزلية.
في أعماق السهل الهاوي، حيث يبلغ الضغط الهيدروستاتيكي ما بين أربعمئة وستمئة ضعف ضغط الغلاف الجوي، وتحتفظ المياه بدرجة حرارة لا تتجاوز درجتين مئويتين، يقف قنفذ بحري عنقي وحيد على عقدة معدنية متعددة المنشأ، نابتاً من مستوى السهل الطيني البارد كأنه صرح في صحراء فسيحة من الصمت. تنفتح إكليله الريشية العاجية اللون بالكامل في مواجهة تيار قاعي خفيف، ترشح من خلاله جزيئات الثلج البحري المتساقطة ببطء من الطبقات العليا، حاملةً معها رزق هذا العالم المعزول المتراكم من تحلل الكائنات العوالق آلاف الأمتار فوقه. يمتد حول هذا الكائن النقي سطح السهل الرمادي البني، مرصّع بعُقيدات المنغنيز المظلمة ومخدوشاً بفتحات الحفر وآثار التحريك البيولوجي الدقيقة، فيما تنجلي في ظلمات العمود المائي البعيدة بضعة ومضات بيولوميائية باردة بلون الأزرق الصافي، تكشف عن حياة أخرى تحمل نورها في أحشائها بعيداً عن أي مصدر ضوء خارجي. إن هذه البقعة من قاع الأرض، التي تكاد تكون الأوسع انتشاراً على سطح كوكبنا، تعيش بإيقاعها الخاص المنفصل عن الزمن الإنساني، إيقاع مقاس بتساقط الجزيئات وخفقات مروحة الزنبق البحري، لا بمرور الأيام ولا بذاكرة أحد.
في أعماق تتراوح بين أربعة آلاف وستة آلاف متر تحت سطح المحيط، حيث يبلغ الضغط الهيدروستاتيكي ما بين أربعمائة وستمائة ضعف ضغط الغلاف الجوي، تمتد سهول قاع المحيط الهاوية كصحراء كونية شاسعة من الطين الرمادي الرقيق، المتراكم على مدى ملايين السنين من تساقط بقايا الكائنات العوالق من الطبقات المائية العليا. على هذا البساط الصامت من الرواسب الكلسية والسيليسية، تتناثر عشرات خيار البحر كحديقة بطيئة الحركة، بأجسادها الهلامية الشفافة ذات الألوان الكريمية والعنبرية والوردية الباهتة، تسحب خلفها مسارات دقيقة في الرسوبيات وخيوطاً من الحبيبات المهضومة تشهد على نشاطها الغذائي المتواصل في استخلاص المواد العضوية من الطين. تسبح في عمود الماء فوق هذا المشهد جسيمات الثلج البحري الناعمة، تلك الرحلة الأبدية لبقايا الحياة من السطح إلى القاع، فيما تُبدّد شرارات التألق الأحيائي الزرقاء والخضراء الخافتة الظلامَ المطبق بومضات حية متناثرة في الماء البارد والراكد. هنا، في هذا العالم الأزلي الصامت، تعيش كائنات متكيفة تكيفاً جزيئياً ودقيقاً مع القسوة الجليلة للمكان، تؤدي دورها البيئي في استيعاب المادة العضوية وإعادة تدويرها في غياب تام للضوء والحرارة والضجيج، في حضرة ضغط هائل يجعل كل لحظة وجود فيه انتصاراً صامتاً للحياة.
في أعماق السهل الهاوي، حيث يتراوح الضغط بين أربعمائة وستمائة ضعف ما يُحتمل عند السطح، تمتد صحراء هادئة من الطين الرفيع البيجي والكلسي، تتراكم فوق قشرة محيطية عريقة القِدَم تراكمًا بطيئًا صامتًا توارثه الجيولوجيا عبر ملايين السنين. على هذا القاع الشاسع تنتشر كائنات الزينوفيوفور، أكبر الخلايا الأحادية المعروفة على الإطلاق، بهياكلها الشبكية الرقيقة من العاج والبيج المعجون بالرواسب، لتشكّل حقلًا من الدانتيل الحي يرقد برفق فوق الطمي دون أن يثقله. تتساقط حبيبات الثلج البحري من العمود المائي في سكون تام، وهي جسيمات عضوية دقيقة تُمثّل الرابط الوحيد بين هذا القاع المعتم والطبقات المضيئة البعيدة فوقه. بين الحين والآخر، تخترق نقطة بيولوميُنضية باردة اللون، بزرقتها السيانية الخافتة، عتمةَ الماء لترسم لحظةً عابرة من الإضاءة الحية التي تكشف هندسة تلك الأطر اللاسية وتختفي، تاركةً المشهد لصمته الأزلي وبرودته المستقرة عند درجتين مئويتين، حيث لا شيء يُشير إلى أن ثمة عالمًا آخر يجهل وجوده تمامًا.
في أعماق السهل الهاوي، حيث يبلغ الضغط ما يزيد على خمسمائة ضعف ضغط الغلاف الجوي وتنعدم الحرارة تقريباً عند حدود درجتين مئويتين، يلتقي عالمان سائلان متباينان على حافة انخفاض خفيف في قاع البحر: مياه القاع الهاوية المعتادة تصطدم بهدوء مطلق بسطح بركة الملوحة الفائقة، الرمادية الصلبة كالفولاذ، عبر حدٍّ مرئي يرتجف كسراب معلّق فوق الطين، وكأن المحيط يشكّل شاطئاً سائلاً لنفسه في جوف الظلام. تتموّج تشوهات انكسارية غريبة على واجهة البركة، تُحرّف الرؤية فوق حواف الطمي الرقيق الشاحب المكوّن من حبيبات سيليكية وكربونية تراكمت على مدى ملايين السنين، بينما تتشبث رُقَع ميكروبية بيضاء بهشاشة على أطراف البركة وتضخّ كيمياءها الصامتة في الطين. تتناثر على امتداد السهل درنات المنغنيز السوداء وشظايا الحجارة الغريبة التي أسقطتها جبال الجليد القديمة من أقاصي الشمال، فيما تتحرك خيارات البحر الشاحبة وأفاعي البحر الدقيقة بطيئاً في أعماق العتمة، وعلى كل الفضاء تتساقط ندف الثلج البحري بلا توقف، وهي فُتات الحياة النازل من الأعلى الذي يُغذّي هذا الصحراء السائلة الواسعة. لا ضوء يصل من شمس بعيدة تفصلها آلاف الأمتار من الماء، غير أن الظلام ليس تاماً: أشعة خضراء-زرقاء شاحبة تومض بين الحين والآخر من كائنات طافية مجهرية، وبريق مبهم يتردد على سطح البركة وعلى الأغشية الميكروبية، فيُعطي هذا المكان الذي لم يعرف أبداً شاهداً وهجاً باردة كأنه ذاكرة الضوء لا الضوء ذاته.
في أعماق تتراوح بين أربعة آلاف وستة آلاف متر تحت سطح المحيط، حيث يبلغ الضغط الهيدروستاتيكي ما بين أربعمائة وستمائة ضعف ضغط الغلاف الجوي، تمتد سهول هادئة ومستوية بلا حدود مرئية، مكسوةً بطبقات من الطين الكلسي والسيليسي المتراكم على مدى ملايين السنين من انهمار الكائنات الدقيقة الميتة من الطبقات العليا. تهبط الثلوج البحرية — وهي جسيمات عضوية دقيقة من بقايا العوالق والفضلات المتحللة — في سقوط لا يتوقف عبر العمود المائي المظلم، مضيئةً بخفاء في المحيط الأسود بفضل ومضات بيولوجية متفرقة من كائنات مجهرية تسبح في البياض اللانهائي بلونيْ السيان والأخضر الباهت. على قاع السهل الخامد، تنتظر كائنات متخصصة في صمت مطبق: خيار البحر الشاحب ممدودٌ على الطين الناعم، أذرع نجم البحر الهش نصف طامرة في الرواسب، وأشكال ضبابية تشبه الزينوفيوفور تُزين حواف الحُبيبات المعدنية ذات المنغنيز، فيما تنتصب زنابق البحر المعقودة على قواعد صلبة نادرة كأشباح صامتة في ظلام دامس. هذا العالم المنسي لا يعرف ضوء الشمس منذ الأزل، بل يعيش على الفتات المتساقط من أعلى وعلى الطاقة الكيميائية الخافتة لبكتيريا الرواسب، في توازن هشّ وأزلي لا يشهده أحد.
في أعماق سحيقة يبلغ فيها الضغط ما يزيد على أربعمائة ضعف ما نعيشه عند السطح، تمتد سهول قاع المحيط الهادئ شاسعةً كصحراء صامتة مكسوّة بطين شحيح الألوان، يرقد فوقه عالمٌ لا يعلم بمراقبه أحد. تنبثق الإسفنجيات الزجاجية الشفافة من درنات المنغنيز المتناثرة كجزر صغيرة مظلمة، ترفع أجسادها المشبّكة من السيليكا نحو عمود الماء في صمت راسخ، بينما تتعلّق بها أنيمونات صغيرة ونجوم هشّة وكائنات قاعية رقيقة، وكأن هذه الدرنات أصبحت واحات حياة وسط صحراء من الطين. يتساقط ثلج بحري خفيف الوزن من الأعلى، جسيمات عضوية مترسّبة من العالم المضاء فوق آلاف الأمتار، توفّر الوقود الوحيد لهذه الجماعات التي تقيم في ظلام دامس لا يقطعه إلا وميض بيولوميني خافت ومتقطّع يصدر عن كائنات سابحة أو راسية. والماء من حولها نقيٌّ في مطلقه، أسود بنفسجي اللون في بعده المتمادي، يحمل في شفافيته الكاملة حقيقةً بالغة الأثر: أن هذا الكون القائم في أعمق طبقات الغلاف المائي الأرضي موجودٌ منذ الأزل، لا يعرف عنا شيئاً ولا يحتاج إلى حضورنا كي يستمر في دورته الحياتية الهادئة.
في أعماق لا تبلغها أشعة الشمس ولا يصلها صدى العالم العلوي، تمتد سهول قاع المحيط الهادئة على آلاف الكيلومترات، مكسوةً بطبقة ناعمة من الطين الكلسي والسيليسي الكريمي اللون، تنقشها موجات خفيفة نحتها التيار الهاوي البطيء. في هذا الصمت الهائل، تحت ضغط يبلغ خمسمائة ضعف ضغط الهواء وبدرجات حرارة تكاد لا تتجاوز الدرجتين فوق الصفر، تنتصب أحجار متناثرة نقلتها الجليديات القديمة في أحشاء الماء حتى استقرت أخيراً هنا، فأصبحت جزراً صلبة نادرة في صحراء الطين اللانهائية. إلى هذه الأحجار تتشبث الزنابق البحرية المعقّدة بسيقانها الدقيقة الطويلة، رافعةً تيجانها الريشية الشاحبة في اتجاه واحد نحو التيار، كأنها تصنع من الجريان الخفي موسيقى صامتة لا يسمعها أحد. تتساقط من عمود الماء ندفات الثلج البحري ببطء لا تحسّه إلا الحياة التي صنعت نفسها لهذه الظلمة، وتتلألأ بين الحين والآخر ومضات زرقاء باردة من كائنات مجهرية طافية، تضيء لحظة واحدة ثم تعود إليها العتمة، في عالم يتنفس ويتغذى ويتكاثر بمعزل تام عن كل ما يجري فوقه.
في الأعماق التي تتراوح بين أربعة آلاف وستة آلاف متر تحت سطح المحيط، حيث تبلغ الضغوط الهيدروستاتيكية ما بين أربعمائة وستمائة ضعف ضغط الغلاف الجوي، تمتد السهول الهاوية كصحراء شاسعة من الطين الرمادي البني، ساكنةٌ سكوناً لا تعكّره سوى ندف الثلج البحري المتساقطة ببطء من الأعماق المائية العليا. فوق هذه القاعدة الصامتة، انتشر مؤخراً غطاءٌ من الفتات العضوي النباتي بلون الزيتون المائل إلى البيج، رسوبٌ طازج قادم من طبقات الفوتيك البعيدة، يُنعّم ملامح الطين ويُضفي عليها وميضاً خافتاً مقارنةً بالسهل المحيط به. استشعر آكلو الرواسب هذه الهبة العضوية النادرة فتقاطعت مساراتها فوق الفيلم الدقيق، بينما تتحسس قنافذ البحر اللحيمة الهشّة المادة العضوية بحركة بطيئة مدروسة، وتتربّع نجوم الهشّة منخفضةً فوق القاع، فيما ترتفع زنابق البحر المعقودة على أعوادها الرفيعة في رقّة تشبه وجود الأشجار في فضاء بلا ريح. في المياه فوق هذا المشهد الأثيل الذي لا يعلم به أحد، تتألق بين الحين والحين نبضاتٌ بيولوجية ضوئية بارداللون مزرقّة، شهودٌ لا إرادية على عالمٍ يتنفّس في عزلته منذ ملايين السنين.
في الأعماق السحيقة التي تتراوح بين أربعة آلاف وستة آلاف متر تحت سطح البحر، تمتد سهول قاع المحيط الهادئة كصحراء شاسعة من الطين الكلسي والسيليسي الصامت، حيث يبلغ الضغط الهيدروستاتيكي ما بين أربعمئة وستمئة ضعف ضغط الغلاف الجوي، وتستقر درجات الحرارة عند حدود درجة ونصف إلى درجتين مئويتين في ثبات بارد لا يتزعزع. تنبثق من سطح الطين الرمادي البني مستعمرة كثيفة من القلم البحري الرفيع، وهي حيوانات عمودية من شعبة المرجانيات العمودية تنتمي إلى رتبة Pennatulacea، تنحني سيقانها الشاحبة الشفافة وزعانفها الدقيقة في اتجاه واحد تحت دفع تيار القاع الخفيف، فيما ترقد نجوم هشة وخيار البحر الصغير قريبة من الأرض، ويقف زنبق البحر المعنّق في الخلفية متشبثاً بعقيدات المنغنيز المعدنية المنثورة على السطح. تتحرك بين هذا الجمع الحي سحب خفيفة من الجليد البحري — بقايا عضوية هابطة من أعالي عمود الماء — تحملها التيارات الخفيضة ببطء بين الأذرع والسيقان، فيما تومض في الظلام المطبق نقاط شحيحة من الضوء الحيوي بلوني السيان والأخضر الباهت، تنبعث من كائنات عائمة في العتمة لا تُرى إلا بهذا البريق العابر الذي يرسم حدود الفروند ويميز وجه القاع عن العمود المائي الأسود فوقه. يتجلى هنا عالم من الكمال البيئي الصامت، يعمل دون انقطاع منذ ملايين السنين في غياب تام عن كل شاهد، تحكمه فيزياء الضغط وكيمياء المياه القطبية الغارقة والمطر العضوي الخافت النازل من الشمس البعيدة.
في أعماق تتراوح بين أربعة آلاف وستة آلاف متر تحت سطح المحيط، تمتد سهول طينية شاسعة لا يكادُ يحدّها بصر، مفروشة بطبقة ناعمة من الرواسب الكلسية والسيليسية المتراكمة على مدى ملايين السنين من تساقط أجساد العوالق الدقيقة من الأعلى. يبلغ الضغط الهيدروستاتيكي هنا ما بين أربعمائة وستمائة ضعف ضغط الغلاف الجوي، ودرجة الحرارة تلامس حدود الصفر لتستقر عند درجة أو درجتين مئويتين في برودة صامتة ومطلقة، لا تصلها أشعة الشمس ولا تعكس ذاكرة النهار. بين ثنايا هذا الصحراء البحرية الهادئة، تنجرف حبيبات "الثلج البحري" ببطء نحو القاع، بينما تومض أضواء بيولوجية زرقاء-خضراء خافتة ومتقطعة من بين القشريات الصغيرة العائمة في عمود الماء القريب من القاع، فتنسج خطاً شفيفاً يفصل بين صلابة الطين الرمادي-البني وسواد المياه المفتوحة فوقه. على سطح الرسوبيات، تمشي نجوم هشة بأذرعها الرفيعة بحذر بالغ، فيما يمتد خيار بحر وحيد في سكون تام، وتنتشر تقطيعات وفتحات جحور تكشف عن دبيب حياة خفية دقيقة لا تحتاج لشاهد ولا تعرف حضوراً غير حضورها هي في هذا العالم الأزلي البعيد.