مسارات فوق الوادي
حواف الخندق

مسارات فوق الوادي

في أعماق تبلغ ما بين سبعة آلاف وخمسمائة وثمانية آلاف وخمسمائة متر تحت سطح المحيط، حيث يبلغ الضغط نحو خمسة وسبعين ميغاباسكال ويتراوح الإحساس بدرجة الحرارة ما بين درجة ومئتين، تنحدر كتفُ الخندق في درعٍ رسوبية محفورة بأخاديد ضيقة وقنوات نحت متعرجة، تكشف في أسفلها صخوراً كُتلية مكسورة بفعل الإجهادات التكتونية المتراكمة على طول الهامش المندس. تغطي قاعَ هذه المنحدرات طبقات من الطين الرمادي البارد والطين المتماسك الداكن، تتناثر فوقها حبيبات التالوس الزاوية، بينما تحتل زينوفيوفوراتٌ شاحبة متراكمة كتلاً أكبر حجماً متشبثةً بما يقدمه التدفق الرسوبي من مواد عضوية. في العمود المائي الذي يعلو هذه الهاوية اللانهائية، تخطّ كائناتٌ قارباتية خيطيةٌ غير مرئية آثاراً زرقاء رقيقة كالشعر تقوس ببطء في الظلام الأبدي، ولا تُبدّد هذا الظلام إلا وميضات الضوء الحيوي المتقطع الذي تُطلقه هذه الأجساد العائمة في مرورها الصامت. هنا، في غياب كل نور شمسي منذ قرون لا تُحصى، تتشكّل الحياة وفق قوانين الضغط والجوع والبرودة وحدها، وتستمر في عزلة مطلقة كأن المحيط يكتفي بنفسه ولا يستأذن أحداً في الوجود.

Other languages