في الأعماق التي تبلغ فيها الضغوط مئات الأضعاف من ضغط الهواء الذي نتنفسه، تنهار جدران الصدع الشاقولية نحو الأسفل في ظلام لا يخترقه شعاع، لتتراكم عند أقدامها كتل صخرية متكسرة تحتضن في ثناياها جيوباً من الطين الرمادي الناعم. في تلك الجيوب الصغيرة المحمية، تسير خيارات البحر الهادالية الشاحبة بأجسادها الجيلاتينية شبه الشفافة، تاركةً آثار خطواتها الدقيقة محفورةً بخيوط رفيعة في السديم، كأنها توقيعات صامتة على لوح من المجهول. تتعلق أشكال الزينوفيوفور الهشة بأطراف الرواسب الهادئة بينما يحلّق سمك الحلزون الهادالي الشبحي وحيداً في الماء الأمامي، يكاد يمّحي في العتمة إلى جانب الجدار الذي يمتد للأعلى ليتلاشى في سواد مطبق. ومن بين نبضات التلألؤ الأحيوي البعيدة التي تنبثق فجأة من كائنات عائمة في الأعالي، تنكشف لحظةً خطوط جسد خيار البحر الطري وملمس الصخر المبلل، قبل أن يعود الليل الأبدي ليبتلع هذا المسرح الأولي الذي يتنفس في غياب تام لأي شاهد.