في أعماق المنطقة المظلمة المطلقة، حيث يبلغ الضغط أكثر من مئتي وخمسين ضعفاً لما تعرفه السطوح، يرقد هيكل حوت عملاق نصفه مغمور في الطمي الأسود الناعم، ضلوعه تنتصب كأقواس معابد منسية وفقراته مكسوة بخيوط ديدان الأوسيداكس الحمراء البيضاء التي تحفر في العظم ذاته. تنبعث من الحصائر البكتيرية الكيمياتركيبية التي تغطي العظام وهجٌ شبحي خافت، إذ تستمد هذه المجتمعات طاقتها من كبريتيد الهيدروجين المتصاعد من تحلل الدهون العميق في العظام، محولةً هذه الجثة إلى واحة كيميائية تعمّر لعقود. فوق هذا المشهد، يرسم سمك الابتلاع قوسه الدرامي في العتمة، فمه الشفاف الهائل كشراع أسود-بنفسجي مفرود في استعداد صامت، جسمه الطويل ينمحي في الصفر. ثم يجتاح الإطار ستار رقيق من الشرارات الفيروزية المضيئة، وهي بيضة القشريات الصدفية الدقيقة التي تطلق وميضها الكيميائي حين تُزعج، فتنكشف للحظة تضاريس الطمي الدقيقة ونسيج العظام وجلد القرش النائم المتربص في الظل البعيد، قبل أن يعود كل شيء إلى صمته الكيميائي اللانهائي.