أولى وميض الضوء المعاكس
منطقة الشفق

أولى وميض الضوء المعاكس

في أعماق المنطقة الشفقية السفلى، حيث يتلاشى الضوء الأزرق القادم من الأعلى ويذوب في سواد مطبق لا نهاية له، تعلّق أسماك الفأس الرفيعة في عمود الماء الساكن كأنها شظايا مرايا منسية، جسدها المضغوط يعكس آخر بقايا الوهج الكوبالتي بومضات باردة وخافتة. بين هذه الكائنات الشبحية تسبح حبارى شفافة كالزجاج، أحشاؤها الداخلية مرئية من خلف أنسجة شبه عدمية، وعيونها الكبيرة السوداء مفتوحة على فراغ لا حدود له، ترصد بلا توقف في الصمت المطلق. على امتداد بطونها وبطون أسماك الفأس تبدأ فجأة تلك الومضات الخافتة الأولى: محفّزات ضوئية صغيرة باللون الأزرق البارد تضيء وتنطفئ في نقاط متفرقة وغير منتظمة، وهي ظاهرة الإضاءة المضادة التي تمحو ظلال هذه الكائنات وتجعلها لا تكاد تُميَّز عن الضوء الشحيح المتسرّب من فوق. الضغط هنا يتجاوز ستين ضعف الضغط الجوي، والماء نقي كنقاء المحيط المفتوح العميق يحمل بين طياته ندف ثلج بحري رقيقة تتساقط ببطء لا يُدرك، وجسيمات حية منثورة كأنجم لا حجم لها في سديم أزرق-أسود، وفي هذا الكون المعتم الصامت لا حضور إلا لكائنات تضيء بذاتها وتعيش دون علمنا وتموت دون أن يشهدها أحد.

Other languages