تنزلق المركبة عبر عمود مائي يكاد يكون منعدم اللون، يسوده أزرق كوني خافت يتلاشى نحو السواد كلما اتجهت العيون إلى الأسفل، فيما يبرز من الإطار السفلي شكل وتدي من الصخر البازلتي الداكن — جانب جبل بحري يتسلل صامتاً تحت المركبة كشبح صامد في الأعماق. تمتد أمام الكاميرا طبقة حية متموجة من أسماك الفانوس وهي تلمع بومضات فضية لحظة أن تقع عليها أشعة المصابيح الباردة القريبة، تُصاحبها قريدسات شفافة الأجساد وخيوط سيفونوفور هلامية تعكس حواف زجاجية دقيقة قبل أن تذوب جميعاً في ظلام مفتوح. يبلغ الضغط هنا ما يقارب ثلاثة وثلاثين ضعفاً من ضغط الغلاف الجوي، وهو ما يكفي لإخضاع الحياة لمنطق بيولوجي مختلف كلياً، إذ تُعدّل المثانات الهوائية لأسماك الميكتوفيد طفوها بدقة متناهية في موازنة دائمة مع هذا الضغط الهائل. هذا الحشد اللحمي الكثيف الذي يرتفع عن منحدر الجبل البحري كدخان حيٍّ ليس إلا أحد أضخم هجرات الأحياء اليومية على وجه الأرض، إذ يصعد هؤلاء الكائنات الليلية نحو السطح بحثاً عن الغذاء ثم يهبط ثانيةً مع الفجر، تاركاً في كل مرة خلفه ومضات بيولوجية زرقاء خضراء تتلألأ خافتة في الأعماق.