مرآة السماء العالية
سطح هادئ

مرآة السماء العالية

في تلك اللحظة الصامتة التي تلتقي فيها الهواء بالماء، تمتد الطبقة الجلدية للمحيط كمرآة شاسعة لا تكاد تهتز، في حالة بحرية لا تتجاوز الدرجة الأولى على مقياس بوفور، حيث يبلغ توتر السطح ذروته ويتشكّل ما يسميه البحّارة القدامى "بحر الزيت". هذه الطبقة الدقيقة التي لا يتجاوز سمكها الميليمتر تُعدّ من أكثر البيئات البيولوجية إنتاجاً وتعقيداً في المحيط، إذ تتراكم فيها الجزيئات العضوية المذابة والمركبات الدهنية وآلاف الأنواع من العصيّات والطحالب الدقيقة والحيوانات العوالق الأولى في ما يُعرف بالطبقة الدقيقة لسطح البحر. يخترق ضوء الشمس الطبيعي هذا السطح الزجاجي فيتحوّل في الطبقات العليا إلى درجات فيروزية شفّافة نادراً ما ترى العين مثلها، حيث يتشتّت الضوء الأزرق عبر جزيئات الماء النقي وبعض الجسيمات العضوية المعلّقة بأحجام متناهية الصغر. وفي هذا الصمت الساطع المطلق، يستمر هذا العالم في حركته الخفيّة الدقيقة بعيداً عن أيّ شاهد، تُفرز فيه الكائنات المجهرية الأكسجين وتمتصّ الكربون وتُغذّي سلاسل الحياة الممتدة حتى أعمق نقاط القاع، في دورة لا تنتهي ولا تحتاج إلى من يراها.

Other languages