سقف قناديل البحر
مفترسات الأعماق

سقف قناديل البحر

في أعماق المحيط حيث لا تبلغ ذرة ضوء شمسي بعد رحلتها الطويلة عبر الطبقات المتراكمة من المياه، تنجرف قناديل البحر الهلامية في صمت مطبق، تنسج فوق الظلام سقفاً حياً يتنفس بنبضات متعاقبة من الضوء الأزرق-الأخضر البارد. تُضيء حواف أجراسها الشفافة وقنواتها الشعاعية وأذرعها الفموية المتدلية في موجات متتالية لا تُدار بأي يد ولا تُشعلها أي إرادة، بل هي كيمياء حية تجابه الظلام بأدواتها الذاتية وحدها، في مياه لا تتجاوز حرارتها بضعة درجات فوق الصفر وتبلغ فيها الضغوط الهيدروستاتيكية مئات الأضعاف من ضغط السطح. تحت هذا السقف المضيء يمر ظل داكن في صمت تام، شبحٌ مفترس متكيف على الصبر والمباغتة في عالم تتناثر فيه جزيئات الثلج البحري كأشباح مضيئة حين تلامسها الأشعة الحيوية العابرة، وتبقى المسافات بين الكائنات مثقلة بسكوت لا يعرف انقطاعاً. هذا المشهد لا يحتاج شاهداً ولا يعرف غياباً؛ فهو كان هنا قبل أن تُسمَّى الأعماق، ويمضي في دوراته اللامرئية بعيداً عن كل وعي، محكوماً بفيزياء القهر وكيمياء البقاء في المحيط كما هو في ذاته.

Other languages